الجمعة، 17 يونيو 2016

سخاء نفس

بينما نحن في المستشفى نعود والدنا المريض - شفاه الله وعافاه - إذ دخل رجل صافح والدي وسأله عن حاله، مناديا إياه بـ"الحاج". فحمد الله ودعا له بالبركة. فردّ عليه بكلام ينعش النفس وبدعاء سخيّ بالشفاء والعافية ثمّ انصرف.

ليس العجيب في صنيع هذا الرجل، بل العجيب أننا لا نعرفه ولا يعرفنا، والأعجب أنه يفعل هذا مع جميع المرضى، والأعجب من ذلك كله أنه يفعل ذلك يوميّا منذ مدة لا تقلّ عن أربع سنوات، بشهادة أهلي الذين رأوه وقتها خلال إقامة والدي في المستشفى.

هنيئا له هذه النفس السخية والأجر بإذن الله تعالى.


الأربعاء، 6 يناير 2016

{لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ}

ما من مكان أحبّ إليها من بيتها ومضجعها. ولا تفارقهما إﻻ مضطرّة وعلى مضض.

تخرج إلى الشارع فترى ما ﻻ يعجبها.. لعلّ ما بداخلها قد تغيّر، فهي تؤمن بأن الإنسان يرى الأشياء بمنظار قلبه. تخاف فتفضّل النظر إلى اﻷرض.

في طريقها تمرّ بعدد ﻻ يُحصى من الناس، فرادى وجماعات. وعند مرورها يصل إلى سمعها في كثير من اﻷحيان جزء من حديث بعضهم، فيتكرر في ذهنها وهي تمشي مطأطئة رأسها، وهي تفكّر كيف نشأ ذاك الحوار، ولماذا، وكيف كانت حال كلّ واحد قبل الحوار، وكيف ستكون بعده.. وينتهي بها اﻷمر إلى نفس الاستنتاج في كل مرة إﻻ نادرا : {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} (النساء 114). فهذا يخوض في عرض ذاك، وذاك يشتكي من البشر والكون بأسره، والآخر يتباهى بما امتلك وما فعله من خير بل ومن شر، وآخر يستعرض عضلاته وغيره يخوض فيما يجهله، وآخر يقضي الساعات وهو يتحدث عن نفس الفكرة ويكرر ما يقوله بصيغ أخرى، ما تقدّمَ بأنملة، ناهيك عن الذي ينتقى أبشع اﻷلفاظ ...
ويتلخص حديث أغلب الناس - إﻻ من رحم ربي-  حول :
- أنا جيّد وهم سيّئون.
- أنا مظلوم وهم ظالمون.
... والصيغ تتشابه إجماﻻ.

ينقبض قلبها وتشمئز من هؤلاء، ومن هذه الحوارات العقيمة التي تزيدنا أوزارا على أوزار، ومن هؤﻻء الذين يطنبون في سرد القيم النبيلة واﻷخلاق عندما ﻻ تجري اﻷمور بما ﻻ تشتهي أنفسهم، أو ببساطة عندما يكونون برفقة شخص ما، ثم ﻻ يترددون في طعن غيرهم  عند أول فرصة تتاح لهم.
وهاهي تجد نفسها قد وقعت في الفخّ ذاته الذي وقعوا فيه.. فقطعت حبل أفكارها لتعود إلى هدوئها النسبي، وحثّت خطاها نحوالبيت.


{لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء (114)


 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مِرَارٍ: "رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ".

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّمَ : "كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ، ﻻ لَهُ، إِلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرًا لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ".


السبت، 12 سبتمبر 2015

سمائي









سُعدت هذه الليلة برؤية أضواء الحيّ مطفأة. فخطر ببالي مباشرة أن أصعد إلى مكاني
 المفضّل : سطح البيت. وكذلك فعلت.

لم تكن السماء خالية من ضوء يكدّر جمالها ولكنني لم أكن لأضيّع هذه الفرصة النادرة.

استلقيت كعادتي وأطلقت العنان لنفسي فجال بصري بين أنحاء الكون، أو على اﻷقل ما تستطيع عيني أن ترى منه. فيالجمال ما رأيت ! وسبحان من خلق فأبدع ! وما أجلّ معنى التسبيح في الآية العظيمة :

{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء 44 ]


أريد أن أتأمّل وأفكّرَ في كلّ ما يشغل ذهني من أمور جارية وعالقة.. لكن وأمام عِظم هذا الكون لا أجد لنفسي الصغيرة حجما يبرّر لها هذا القلق الكبير، فسُرعان ما تذوب همومي وأفكاري ويعجز عقلي عن التفكير لوهلة وتسترخي أعضائي وأنسى الدنيا وأختلي بسمائي التي لطالما شهدت تقلّباتي في هذه الدنيا. تذكّرت يوم دمعت عيناي فرحا برؤية ما أراه عادة في الصور على الحاسوب، وأياما كثيرة ناجيْت فيها ربّي وغيرها من اللحظات المميزة التي رسخت في ذاكرتي.

ثمّ حدّقت في بعض النجوم المضيئة في محاولة لكشف أسرارها التي حيّرتني واستعسرت عليّ، بل على أكبر علماء الكون منذ أن خُلق الإنسان.. هاهي ذي كالدُّرر تبرق أمامي"ببساطة" بكل ما أوتيت من جمال. وجال بصري على رسوم رسمتها عقول البشر منذ عصور، اعتدت أن أهتدي بها وأن أُحدّث عنها بعض الفضوليّين المُهتمّين بأسرار السماء. ما أجمل ذلك البريق في أعينهم عندما يشاهدون شيئا كُشفت عنهم بعض حقائقه لم تكن تخطر لهم على بال.
ولم تكن سوى لحظات حتى ذكرت قوله تعالى : 

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } [الأنبياء 104] 

أخشى على تلك اﻷوقات من ضعف لغتي فلن أجازف بوصف ما انتابني من شعور حينها.. فقط دعوْت في تلك اللحظات النفيسة بما فاض به قلبي من أمنيات تتوق إليها نفسي.. تلك اللحظات التي لا أدري كيف استطعت العيش من دونها طيلة السنوات الأربع الماضية...  لحظات يُعاد فيها ترتيب الأولويات المطلقة في الحياة وتهدأ فيها النفوس وتحيا من جديد..


سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

الجمعة، 21 أغسطس 2015

مرَارة ولذّة

تنبيه! كُتب هذا النص بسرعة وبلا تدقيق لغوي ، أقدم اعتذاري للغتي ولمن يهمه الأمر. وليس القصد عدم اهتمام باللغة بالتأكيد.
لا أعرف من أين أبدأ. فأنا كمن أغمي عليه ثم استيقظ فوجد نفسه متعلقا بخشبة في عرض البحر، لا شيء في الأفق. فقط ماء وسماء.
لا يدري هل يبكي أم يصرخ، أم يقاوم أم يتستلم؟
خطر بباله بعض أصدقائه فهمّ أن يناديهم كما كان يفعل في الماضي.. كان كلّما ضاق صدره تكلم بما تخالجه به نفسه مع واحد من أخلّائه الذين كان يعتبرهم قطعة منه. فيعلم أنه سيجد عندهم الكلام المناسب والنصيحة المثلى فينشرح صدره. أخلّاء في الله يجتمعون عليه ويتحابّون فيه، أرواح نقية كانت له خير من ألف كنز.
... لكنه سرعان ما تذكر أنه لن يجد لصراخه سامعا. فالريح تعصف أحيانا فتُبعد السفن عن بعضها بل وتحطّمها. لكن الله لم يخلق الإنسان ليشقى. ففي أوج الابتلاء والوحدة والمصائب.... ترى من عظمة رحمة الله ما لا تراه وأنت في نعمه تتقلب. ﻷنه حينها يُكشف شيء من الستار الذي قد يحول بين الله وعبده، بسبب الطبيعة الترابية لهذا الأخير، وتراكم ذنوبه واستمراره في غفلته..

فقارب النجاة هو الإيمان واليقين الجازم بأن الله هو المعطي والمانع، والضار والنافع، والمعزّ والمذل، وهو السميع البصير، وهو الحيّ الذي لا يموت..... وهذا اليقين ينبغي أن يكون في كلّ وقت وحين. خسرنا إذا تركنا اللجوء إلى الله بعد أن تنقطع بنا الأسباب الدنيوية.. فلا ينبغي أن ننتظر ممّن سوى الله أن يعطينا ما لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بل ما هو بأمسّ الحاجة إليه. فلا تغرّنّك السفن التي قد تلوح إليك في اﻷفق (أو في السماء) فهي مجرّد سراب. يأتي فتستبشر بمُنقذ فإذا بها تختفي فتتهالك على خشبتك منهكا من فرط الجدف.

فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.


 

ملاحظة : قد يجعل الله تعالى في طريقنا أشخاصا يساعدوننا في المحن ويشاركوننا سعادتنا... الغاية من هذه الخاطرة ليست التقليل من شأن الصحبة الصالحة إن سيء فهم المقصود، وإنما التذكير بالرجوع إلى الله أولا وآخرا.

الاثنين، 29 يونيو 2015

مَطَر

أرض قاحلة لم تذق الغيث منذ عقود
شمس حارقة
عطش.. جفاف.. يبس

استسقاء ودعاء ملحّ
فاستجابة..

ُدرر من السماء ورياح لواقح
شجر مدهامّ وظلّ ظليل
تربة خصبة معطاءة بعد جدْب وقحل.

خطى حثيثة تمهّدها
بعضها خفيف وبعضها قاس ثقيل

ضربات فأس تحفر الأرض
فتحفر وتحفر..
حجر صلب في باطنها،
قاسٍ لا يُقلع ولا يُكسر

سطح خصب
وباطن من صوّان

أ المطر ينفعها أم الجفافُ أنفع؟
باتت حائرة لا تعرف

فاستسقاء ودعاء ملحّ..

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

لن أكبر






عندما كنت طفلة صغيرة، كنت أرى في وجوه الكبار نظرة حزينة، بعيدة.. لم أكن أفهم من أين تنبع وإلى أين ترمي، ولكنني عاهدت نفسي ألّا أنظر تلك النظرة عندما أكبر. فإن كان الكبَر مرادفا للهمّ والقلق، فلن أكبر.

عندما كنت طفلة صغيرة، كانت لديّ ككلّ الصغار تلك البراءة التي يتعاملون بها مع الأشخاص ومع الأحداث.. براءة عجيبة تُدهش الكبار فهي لا تخلو من حكمة افتقدوها ومن صفاء نفس تعكّر مع الوقت (هل هو الوقت حقّا؟).  وكنت أسمع هؤلاء الكبار يقولون لي "ابقيْ صغيرة، لا تكبري، حافظي على براءتك".. فعاهدت نفسي أنني عندما أكبر، لن أتخلّى عن ذلك الصفاء الذي أعامل به غيري. وإن كان الكبَر يعني المكر والخداع، فلن أكبر.

عندما كنت طفلة صغيرة، كانت لديّ أحلام، ليست كثيرة ولكنّها واضحة وبسيطة. وكنت أسمع الكبار يقولون لي ما يعني أن لا قيمة حقيقة في حياتنا لهذه الأحلام، فالأفضل أن تتركيها وأن تكوني "واقعيّة". لكن هل الخلود إلى الأرض من سمات الكبار؟ إن كان كذلك فإني أعاهد نفسي ألّا أكبر.

عندما كنت طفلة صغيرة، قلّما كنت أغضب، وإن حاول أحدهم إرضائي، كنت أسارع بالابتسامة التي لم أكن أقدر حتى على مواراتها. للطفل منابع تتدفق بالخير والعطاء. لم أكن واعية بذلك من قبل طبعا، لكن هل تجفّ هذه المنابع إذا كبُر الإنسان؟ إن كان كذلك فلا أريد أن أكبر.



الشوق إلى تلك الأيام يكاد يقتلني..  هل تُراني كبرت؟

الثلاثاء، 22 أبريل 2014

Il n'y pas de quoi être fier







La vie, ses complications, sa richesse.. Tout cela nous fait oublier l'essentiel, les origines. Pourquoi est-ce si important de revenir aux origines? Le monde n'évolue-t-il pas?

Le monde évolue bel et bien. Nous le suivons bon gré mal gré. Mais revenir aux origines ne signifie pas vivre comme l'homme dans la préhistoire. Revenir aux origines c'est appeler les choses par leur vrai nom, mettre chaque chose à sa place, comprendre les choses sans falsification. Pourquoi? Parce que c'est ainsi qu'on sait comment exister, qu'on comprend que l'autre c'est plein d'autres "moi", d'autres "êtres", et qu'il faut savoir comment vivre avec.

J'aimerais partager ma compréhension de la chose, même si je suis une totale intruse au sujet. J'essayerai de parler aux cœurs des lecteurs. Tous les commentaires constructifs sont les bienvenus.

J'ai choisi de commencer par quelque chose que je vois chez ceux qui ne croient pas en Dieu (et même chez certains croyants). Le cœur de la question est : "c'est grâce à qui que je suis ce que je suis, que j'ai ce que j'ai, etc.?"

- J'ai de l'argent. Je l'ai mérité parce que j'ai un bon salaire.
- Qui t'a donné l'occasion de travailler, sans aucune puissance ni force de ta part?
- De quoi tu parles? J'ai bossé comme un malade depuis l'école jusqu'à la fac, j'ai brillé dans mes études, j'en ai même souffert à un certain moment.. Ce n'est pas négligeable! Je mérite bien ce boulot, je l'ai récolté de mes propres efforts..
- D'où as-tu eu les facultés nécessaires pour réussir et briller dans tes études? (facultés physiques, intellectuelles, etc.) alors que tu es sans puissance et sans force?
- C'est comme ça, je suis intelligent, j'ai de l'endurance.. Et puis mes parents se sont bien occupés de moi.
- Donc tu admets que les "outils" nécessaires pour la réussite, tu les avais, comme "innés", n'est-ce pas? les parents, l'intelligence, l'endurance.. Qui te les a donnés?



Revenons aux origines, et appelons les choses par leur vrai nom... 


Remarque : ce type de dialogue aurait pu avoir lieu avec quelqu'un qui n'a pas forcément un bon salaire, ou qui souffre... Chaque chose en son temps.



الأربعاء، 5 فبراير 2014

مبدأ وحياة

بسم الله الرحمن الرحيم

الجميع يعلم اليوم كم كانت الطريق إلى المعلومة، منذ أكثر من عقدين، شاقّة ووعرة. لكننا نذكر أيضا اللذة التي كنا نشعر بها عند وصولنا إليها، وكأنّه كنز ثمين قطعنا لأجله الأميال وعبرنا البحار لنيله. ومهما كانت طبيعتها،  علما أو أدبا أو حُكما شرعيا أو حِكمة إلى غير ذلك، فقد كان احتفاظنا بها كاحتفاظنا بدرّة نفيسة نخاف أن تفلت من بين أيدينا. فهل التسلّق إلى قمة الجبل على القدمين كالذهاب إليها على متن طائرة؟

وفجأة جاءت موجة التطوّر التي بدأت بوادرها في الحقيق منذ أن خُلق الإنسان. فهو بطبعه يريد أن يسهّل أمره حتى يتفرّغ إلى ما هو أهم، أو ما هو من المفروض أهمّ. هذه الموجة هزّت الإنسان هزّا، وأخرجته عن طبيعته الإنسانية، وجعلته يصل إلى ما يرنو إليه في طرفة عين. حتّى أنّه لم يعد يعير للشيء اهتماما. و"سيعود إلى  المعلومة إذا احتاجها" فإيجادها سهل يسير. وهذه نعمة كبيرة لمن أعطى المعلومة حقّها من الاهتمام. لكن قد تنقلب إلى نقمة، لمن يستسهل منالها، ويؤجل العمل بها إلى حين لا يعرفه، أو يعمل بها لمدة قصيرة تكفيه لحل مشكلة أو لإسكات ضمير.

لن أطيل أكثر.. أرى اليوم أننا نستعرض آيات وحِكمًا وقصصا مؤثرة نعتبر بها إن كنّا من أولي الألباب....وتتهاطل على مسامعنا ومرائينا حتى لم نعد قادرين على استيعابها بهذه السرعة. ﻻ أقصد الاستيعاب الذهني، فنحن نستوعب ونفهم ونتناقش ونبدي آراءنا ونفتي أحيانا بل ونطعن فيمن علّمونا أو بمثابة معلّمينا، إلا إذا أكرمنا الله بقلب تقيّ ورع ولسان مستغفر.
أقصد هنا الاستيعاب القلبي. أرأيت تلك اللحظة التي ينبض فيها قلبك بقوّة وتهتزّ جوارحك، وتشعر أن فكرة وجدت أخيرا طريقها إلى ذلك القلب ومستقرّا في كنفه...؟ تلك اللحظة التي يتليها إدراك لحقيقة الكلمة أو القصة التي سمعتها، لمعانيها الجليّة التي تتطابق تماما مع إجابة لتساؤلات علقت في ذهنك طويلا.. كم هي مهمّة، تلك اللحظة! هي التي تجعل منك شخصا ذا مبادئ، شخصا قويّا، يفعل ما يقوله. هل أنا مخطئة أم أنّ البركة نُزعت من أغلب ما نشاهده من برامج تعليمية ونصائح ووعظ بل وأحاديث وتفاسير للقرآن، بل عند قراءة القرآن..؟

هل نقيّم الأشياء بالكمّيّة أم بالجودة كما يُقال في هذا الزمن؟ 

يكفينا مبدأ واحد، نعم، مبدأ واحد، لكي ننعم بحياتنا. (والخير ﻻ يلِد إلا خيرا)



بعض الآيات للتدبّر :

{
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة الحجرات 11، وأنصح نفسي وإياكم بالتمعّن فيها)
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ (الأنعام : 14)
 إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (البقرة :131)
 ‏{‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏(الطلاق 2-3)

بعض ما أوصانا به رسولنا صلى الله عليه وسلّم
عَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللّهُ بِمَا آتَاهُ». 
الْمُسْلِمُ مَنْ سَلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مِنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"
قال صلى الله عليه وسلّم  : (إِيَّاكُمْ و الظن؛ فإِنَّ الظن أَكذَبُ الحديثِ، ولا تَجَسَّسُوا و لا تَنافَسُوا و لا تَدابَرُوا،و لا تَحاسَدُوا،و لا تَباغَضُوا،و كونوا عِبادَ الله إخوانا)



اخترت هذه الآيات والأحاديث بصفة شبه عشوائية. كلنا سمعناها من قبل. يا سعد من يتّخذ ولو واحدة منها ويجعلها ثابتا من ثوابت حياته . والله المستعان

الثلاثاء، 21 يناير 2014

ليس استثناء

الجوّ دافئ. نظرت إلى السماء فإذا هي زرقاء صافية، أو بالكاد. نظرت إلى الأفق فرأت بعض الغيوم المسودّة. لم تأبه لشأنها فهي بعيدة فوق بلد آخر. انشغلت عنها وواصلت سيرها مع رفيقاتها. بعد هنيهة، بدا لها ضوء الشمس أخفتَ من المعتاد. لقد غشتها بعض السحب. اقتربت تلك الغيوم السوداء. لم يمنعها هذا من العودة إلى الانشغال مع رفيقاتها.

لكن الظّلام ظلّ يزداد وبدأت العتمة تغشو المكان. ماذا تفعل؟ لا تزال بعيدة عن بيتها. وهي الآن ليست في أمان. نظرت إلى صاحباتها، يتحدّثن كأن شيئا لم يكن، يمشين بخطى ثابتة، كأنّهنّ يرون الطريق، كأنّهنّ لم يشعروا بالغيوم التي أظلمت المكان
مرّت لحظات وهي في قلق، لم تعد ترى شيئا، حتى صديقاتها اختفين وتوارين في الظلمات. حتى أصواتهنّ صارت بعيدة. توقّفت فهي لم تعد تستطيع السّير. تسمّرت في مكانها خائفة مذعورة، يكاد قلبها يخرج من صدرها. أطرافها وكلّ جسدها يرتعد. لم تعد تسمع إلا صوت أنفاسها المتقطعة. بكت. لا تدري لمَ كلّ هذا الخوف، ولا هذا البكاء. لا تدري ايضا من أين أتت الغيوم... ﻻ تدري.
ضاق صدرها حتّى أنّها ظنّت أنها تحتضر.
 تحرّك لسانها بدعوات لا تذكرها، دعت ربّ العباد أن ينجّيها.

ازدادت دقّات قلبها سرعة، حتى جمدت يداها ولم تعد تستطيع تحريكهماهبّت رياح عاتية هزّتها هزًّا حتّى فقدت السيطرة على جسدها. هناك شيء لم تعرفه ولكنّه ينتزع روحها انتزاعا. ما هذا الشيء الذي تقاومه؟ ﻻ تدري لكنّ همّها الآن هو الخلاص. كيف تخلص؟ ظلّت تذكر الله وتردّد دعواتها وتحمد الله على ما أتاها.






مكثت مكانها مدّة لا تستطيع تقديرها، مكثت مستسلمة لا يقدر أحد على مساعدتها، كيف وهم لا يرون ما تراه؟ مكثت داعية ذاكرة مستغفرة حتى رحِمها الله، فسكنت الرياح وبدأ ضوء الشمس يظهر من جديد، ومعه الهدوء. هدأت شيئا فشيئا. كانت مرهقة منهكة.
نظرت إلى الشمس فإذا بها تستعدّ لتتوارى وراء الهضاب. أسرعت إلى بيتها.. تهاوت على فراشها ثمّ نامت بسلام.



يقال أنّ رفرفة جناحيْ فراشة في جنوب الأرض قد يسبّب عاصفة في شمالها.. 



يا من أمرك الله بالإحسان في القول: {الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1-4]*
 {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 1-3].
يا من عناه النبيّ عليه الصلاة والسلام وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟  رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ 
 يا من تفكر في نفسك أغلب الوقت، أنت لا تدري وقع كلامك لدى غيرك،  يا من تظنّ أنّ هذا استثناء.... ليس استثناءً.


*ومِن ثَمّ كان على الإنسان أن يُحْسِنَ استخدام هذه النعمة، فلا يكون نطقه إلاَّ ما فيه طاعةٌ لله، وإلاَّ فالصمت أَوْلَى (مقتبسة)

تفسير الجلالين ﴿علَّمه البيان﴾ النطق.

تفسير الميسر خلق الإنسان، علَّمه البيان عمَّا في نفسه تمييزًا له عن غيره.



الخميس، 16 يناير 2014

"بلِّغوا عنّي ولو آية"

بسم الله الرحمن الرحيم،



لم أرَ قطّ أرقى من خُلق النبيّ صلى الله عليه وسلّم. فهو ينظر إلى الأمور بمنظار آخر مختلف، منظار التؤدة والحِكمة والرّصانة.وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة 269]
فمن سار في طريقه بهذا الزاد من الخير، أمن لنفسه طمنأنينتها وسكينتها. فهو يحميه من عواصف الانفعال الزائد كما يحمي المعطف لابسه من المطر والبرد الشديد.

عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : " ليس المؤمن بالطعان ، ولا اللعان ، ولا الفاحش ، ولا البذي " . 

من يردّ الإساءة بالإساءة كمن يصبّ الزيت على النار ظانّا أنه سيطفئها. ارتقى بنا الإسلام، بفضل من الله وحده، إلى درجات عالية، فلا يرضى لنا أن ننزل من منازل عالية إلى أخرى دنيا لا شأن لنا بها. ما أعطر تلك السنّة

اللهم اجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.



 الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر : 18]




الجمعة، 3 يناير 2014

في متاهات نفسي


خطوات ثقيلة .. يُسمع لها وقع خافت فوق التراب.
تعمّ المكانَ ظلمة حالكة. حتى النجوم توارت وراء الغيوم.

ليست خائفة.. اطمأنت فهي الآن في مأمن من الذئاب.
هي راضية. ومؤمنة بأن العاصفة ستمرّ 
وأنّ نور السماء سيظهر من جديد.
لكنها مرهقة من الركض لتنجو من السباع.

أخذت نفسا عميقا، تنفست رائحة الأرض المبتلة بالمطر
رائحة الطين الذي خُلقت منه زادتها اطمئنانا.
برق يضيء ورعد يدوّي..

نظرت بجانبها فإذا بها ترى فتاة جميلة، تمشي مثلها بتثاقل..
وجهها يتألق نورا. اطمأنت إليها..
أمسكت بيدها ثم واصلتا السير معًا.
حتى هدأت العاصفة.
أشرقت الشمس ولوّنت تلك الظلمات..

تمسّكت بيدها، ابتسمتا وحثتا الخطى..


الأربعاء، 27 نوفمبر 2013

ﻻ تكره أخاك لعيب فيك

بسم الله الرحمن الرحيم

قد يمرّ الواحد منّا بمواقف تجعل الآخر يعبس في وجهه أو يسخط ويتلفظ بأبشع الكلام. وقد نستغرب كثيرا لمّا نرى الهوّة الشاسعة بين ما قلناه وما عاملنا به الآخر. يحسن أحدنا النية وفي كثير من الأحيان القول أيضا، بل يبتسم وينتقي ألطف العبارات للتعامل مع الطرف الآخر مهما كانت علاقته به. لكن ما يروعه إلا أنه يتلقى ردّا يليق بشخص قال سفاهة...

ينقسم الناس هنا إلى : من يضيق صدره الطرف الآخر. قد يرى أن الأمر يستوجب "الجدّية" ومن "الجديّة أن نتشدد في الكلام وأن نقطّب جباهنا". فيرى في الآخر استهتارا ويرى أنّه من واجبه إضافة شيء من الصرامة "للزينة" حتّى يلعب دور المرشد أو يُظهر أن مخاطبه خفيف العقل.
وهناك من في لمح البصر، أدرك ذلك الشخص المستوى الراقي الذي تحدّث به مخاطبه الأوّل، فبحث في سجلّ كلماته وأعماله عن ردّ يليق به، لكنّه لم يجد شيئا في هذا المستوى.. فبحث في سجلّ غيره (وأوّلهم والداه وأقرباؤه) وعن ردّة فعلهم في مثل هذه المواقف (فالإنسان يقلّد بالفطرة، سواء سلمت أم لم تسلم). فلا يستحضر إلا بعض المشاهد البعيدة من سخرية واستهزاء بمثل هذه الأقوال.. فلا يسعه إلا أن يقلّد ما وجد عليه أبويه وأصحابه، فيستهزء بدوره ويترفع عن الآخر..
ويوجد صنف آخر إمّعة، يشعر بحقارة مستواه، الذي لا يغادره إلا إذا وجد نفسه في مجموعة، فتنتابه الغيرة على نفسه، ويزمجر غاضبا، كارها الموقف الذي هو فيه وكارها نفسه والقيود التي ترك الدهرَ يضعها عليه، جاهلا (أو متجاهلا) أنها قيود وهمية وأنها غير مقفلة. يحاول تدارك هذا الفارق بالغضب والانفعال، كما حاول الآخر تداركه بالسخرية، والذي قبله بالتظاهر بالجدّية والتقليل من قيمة المخاطب. حينها ﻻ ينفع التظاهر بالتعالي وﻻ الخوض في كلام لا علاقة له بالموضوع في الأساس، ﻷنه مجرّد محاولة يائسة لإنقاذ الموقف.. الإعتراف بالخطأ فضيلة.
قال الشاعر:

كن كالنجم ﻻح لناظر على سطح الماء وهو رفيع *** وﻻ تك كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع

كِبر...

قال صلّى الله عليه وسلّم : "‏ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ فَجَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ."
رواه الترمذي.

يقول الشيخ عبد الكافي :
"لما تتعامل مع إنسان تجده كريما! تعطيه ابتسامة يعطيك كلّ ما عنده، بقطعة أرض طينيّة إذا غرست فيها حبّة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة. وهناك أناس كالرّمل، تضع فيها البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهادي (...) وكلّ المحيطات، يتشرّب الماء والعطاء وكأنّه ما أعطيته شيئا."


إذا أردنا أن نتدارك أنفسنا في مثل هذه اللحظات، يجب اتباع خطوتين مهمّتين : الأولى هي أن لا نظلم مخاطبنا. فترك الذنب أولى من فعل الخير. والظلم ذنب عظيم، أعاذنا الله منه.
والثانية: أن نعترف بخطئنا وأن نضع أنفسنا للحظات في موضع الآخر حتى تختفي معظم أسباب الإنفعال والغضب، ثم نخطو تلك الخطوة الصغيرة لكسر القيود الوهميّة التي تحول بيننا وبين التصرّف السّليم، لوضع كلّ شيء في مكانه الطبيعيّ. قال الله عزّ وجلّ: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن : 55)
 {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} (الرعد : 22) اللهمّ اجعلنا من هؤلاء.

ﻻ أزعم أنني أحطت بكلّ جوانب الموضوع، إنما هي مجرّد محاولة لفهم الآخر وللإصلاح ما استطعت...


الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

اﻵن حقا بكت..

كانت تتصفح بعض المنشورات على  الفيسبوك الذي منذ دخلته وهي تكرهه...
قرأت واطلعت.. بإصبعها مسحت عينها فشعرت أنها مبتلّة. هل كانت تبكي؟ هل من المعقول أنها بكت أو ذرفت دمعة ونسيتها بهذه السرعة؟ هل هو معقول أن يكون للأشياء المبكية أثرا يزول بهذه السهولة؟؟؟؟ الآن هي تبكي حقا عن قسوة قلبها ووهن ذاكرتها.. ليست الذاكرة بذلك المعنى العلمي، وإنما ذاكرة القلب الذي تصلّب.. فعدنا لا نبحث إلا عن أشياء تدور حولنا... صرنا نتحرّق شوقا لمعرفة من علّق على منشور من مناشيرنا... كأننا لم ننشره عن اقتناع بحت، وإنما ليتلقى إعجاب الآخرين، كأنه دعم لنفوسنا الصغيرة التي لم تعرف أين تبحث عن قيمتها.
الآن تبكي حقا على الحالة التي وصلت إليها. ما تفعله مثل من يطعم أحدهم طعاما جافا مالحا وهو على وشك الموت من العطش.
لقد جفّت نفسها... تعطّشت لأشياء كثيرة وسادها فراغ مخيف. لكن هل نملأ الفراغ بباطل؟ هل نملؤه بالرياء؟ هل نملؤه بالقسوة؟؟؟ كيف وصلت إلى هذه الدرجة من انعدام الإحساس؟!
هي هنا لست هي، ولن تكون هي إلا حيث توجد العين التي تتوق نفسها إلى الشراب منها.
هل حقا لا ينفع العقار فيما أفسده الدهر؟
لا تقبل بهذا، وإن قبلت فإنها قد أعلنت موتها.

الخميس، 5 سبتمبر 2013

أطيب الثمر

ﻻ تزال تذكر تلك الأيام.. كانت تضع في أذنيها تلك السمّاعات وتستمع بكلّ انتباه وتركيز إلى الدروس، وقلبها ينبض ويمتلئ بما تعطّش إليه طوال تلك السنوات الضائعة من حياتها.  كانت كالأرض التي مرت السنوات دون أن تنزل عليها قطرة ماء واحدة، وفجأة جاء الصيب النافع الطيّب ليملأها حياة وبهجة. كانت لديها أسئلة عالقة أجّلتها إلى أن يحين وقتها، ولم تكن تدري آنذاك متى يحين هذا الوقت.
تحدّثت مع من قَطَع طريقا طويلة وشاقة حتى وصل إلى الإسلام وإلى تعلُّم العربية. كيف لهؤلاء أن يسبقوها بأشواط وهي التي وُلدت ونشأت في بيئة مسلمة، والعربية هي لغتها الأمّ؟ رأت منهم إخلاصا تامّا لله، وإسلاما صادقا ونقيّا من كلّ الشوائب، وما أكثرها! أُعجبت بإيمانهم، وبدأت تشعر بتقصيرها المخجل، ولم تلبث حتى عقدت نيّة الالتزام، ولو كان بطيئا.. وهبها الله صحبة الصالحين ورغدت عيشا معهم مع أنّها كانت تعيش لوحدها.


 وسرعان ما استيقظت من ذلك الحلم الجميل، وواجهت أخيرا من حولها وهم يخوضون فيما ﻻ يعلمون...  يقولون أن الدين يأمر الإنسان بإعمال عقله، لكن هل يُعقل أن يعمل عقله لتغيير الدين؟ هل يدمّر الدين نفسه؟

يقولون أننا لسنا رُسُلا ولا صحابة، ولن نكون. فلنعش كما يعيش الناس في عصرنا. ألهذه الدرجة عميت أبصارنا عن ذنوبنا؟ ألهذه الدرجة استغنينا عن الأجر؟ ألهذا الحد نحن متأكدون من إخلاصنا لله وأنه قبل عملنا؟ وما فائدة القرآن والقَصص إن لم نتّعظ به؟ نحتفل كل سنة بعيد الأضحى وكلنا نعلم قصة سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، نعلم مدى إخلاصهما لله تعالى ألا نتّعظ ولو بجزء من المائة؟

يقولون ما العيب إذا قمنا بكذا وكذا من محرّمات  وبِدع فنحن لن نضرّ أحدًا.. يكنّون الحقد لمن أراد أن يستقيم،أليس من مظاهر الاستقامة أن يحسّن سلوكه مع غيره، وبهذا يكونون هم المستفيدين من التزام غيرهم؟ يعترفون بهذا ولكنهم يحاربون ما بداخله من معتقدات بغض النظر عن أفعالهعازمون على مقاومة الإسلام حتى في قلوب الناس، ولو بدا منهم أحسن الخُلق.

إن الإسلام ﻻ يتوجّه بالخطاب إلى العلماء فحسب، بل إلى جميع الناس، ذوي العقل السليم، أما الفطرة السليمة فهي تمهّد لهذا الخطاب العظيم وتؤيده.

يقولون تشدّد. كم أكره هذه الكلمة. هل يقصدون أن من  أراد تطبيق أحكام الإسلام كلها يُسمّى متشددا؟ هل الرسول عليه الصلاة والسلام كان متشددا، حاشاه؟
بسيطة، أليس كذلك؟ كل شيء رهين لحظة صدق مع الله جل وعلا يعترف المرء فيها بغلطه ويغيّر مساره إلى ما يرضاه خالقه.

يقولون زماننا ليس كزمانهم... من أي زاوية يتحدّثون؟ هل من زاوية التاريخ؟ أم التقدّم العلمي؟ وعلى كلّ حال، هل يعني هذا أن نترك أحكام الإسلام جانبا، وأن نبتدع وأن نفعل ما كان عليه آباؤنا ، أو أغرب من ذلك، أن نتّبع من ينفق الأموال لصدّ المسلمين ولجعل حياتهم شاقة حيثما كانوا؟
لمَ هان الدين في نظرهم كلّ هذا الهوان؟

 يرفضون الجهاد بأنواعه، ويقبلون أن يكون للدولة جيش يدافع عنها. أليس المؤمنون هم جيوش الدولة الإسلامية؟

 ينظرون إليهم تلك النظرة المليئة بالاشمئزاز والنفور، ويطنبون في شتم أولئك "الملتحين والمنتقبات"، فما أكثر تلك الحوارات الطويلة حول "تخلّفهم وجهلهم بقيم الحضارة" من جهة، و"خطورتهم ﻷنهم ﻻ يترددون في القتل أو في التضحية بحياتهم من أجل الدين" من جهة أخرى.
 ﻻ يفهمون لِمَ قيل أن القرآن صالح لكل زمان ومكان. فنظرتهم "التقدّميّة" ترى أن الزمان قد تطوّر وأنّه يجب "تعديل بعض الأحكام" لتتأقلم مع الواقع، كالربا وغيره...

 يظنّون أنهم غسلوا أدمغة أبنائهم "بتلك الأفكار الإرهابية". كيف لتلك اﻷدمغة، التي بعضها أحرز نتائج درسية متميّزة، أن يحمل تلك "اﻷفكار الرجعية"؟ كيف يرجحون النقل على العقل؟ ﻻ يُعقل!! أﻻ يتساءلون للحظة ماذا لو كان الآخرون على صواب؟



 يتفوّهون بألفاظ جارحة وتعلو أصواتهم بحجج واهنة وﻻ يخلو حديثهم من قلّة التناسق... لكن المرء ﻻ يزال يرتقي في سلّم الرقيّ حتى تبدر منه الكلمة الطيبة عندها يُقذف بالكلام الجارح.

كن كالنّخيل عن الأحقاد مرتفعا *** يُرمى بصخر فيلقي أطيب الثمر



هذا ما يعلّمه الإسلام.. وهو كلّ لا يتجزّأ.